قصص عربية

 المتسول الصغير

المتسول الصغير

This post is also available in: English (الإنجليزية)

شارك هذا

كان ياما كان، في قديم الزمان والمكان رُويت ھذه القصة، وما زالت تُروى منذ ذلك الوقت وسوف أرويھا لكم الآن… في يوم من الأيام، كان ھناك توهجٌ وردي على المباني حول البازار المركزي في مدينة البصرة عند حلول المساء. وكان ھناك المتسول الصغير المعروف في المدينة بنُكته ونوادره وأغانيه. كان الخياط وزوجتُه عائدَيْن إلى المنزل بعد إسرافٍ في الشرب. ودعَيا المتسولَ الصغير إلى منزلهما لكي يرفه عنھما فأجاب الدعوة وبدأ يرفه عنھما بسرده قصةً، فأطعموه قطعة لحم من السمك الأبيض. اختنق المتسول الصغير من شوكة في قطعة اللحم، ووقع من الكرسي إلى الوراء على الأرض، وبقي ھناك بلا حركة. “يا! ما ھذا الذي فعلناه يا زوجتي؟ لقد أتى ھذا الرجل الصغير إلى بيتنا كضيف لكي يرفه عنّا ولقد قتلناه. ما الذي سيحدث لسمعتي؟” ثم لف الخياط وزوجته المتسول الصغير بسجادة وحملاه من بيتهما إلى شوارع البصرة التي باتت مظلمة و كئيبة.

“اِبنُنا مريضٌ، ابتعدوا! يعاني ابنُنا من الحمَّى القرمزية“. ولم يقترب الناس حتى قالت امرأة: “سيدي طبيب، فاتبعوني”. وتبعوا المرأة نحو منزل وصعدوا العديد من الدرجات وصولاً إلى الدرجة الأخيرة أمام الباب وتركوا جثمان المتسول الصغير ھناك.وبالطبع، أخذوا السجادة معھم. كان ذلك منزلَ الطبيب اليهودي. وخرج الطبيب في الظلام و لم يرى جثمان المتسول الصغير أمامه. فتعثّر به وتدحرجت الجثة على الدرج إلى الأسفل. ركض الطبيب إلى أسفل الدرجات. “يا! ما ھذا الذي فعلته؟ لقد أتى مريض إليَّ لكي يعالَج وھا أنا قد قتلته. ما الذي سيحدث إلى سمعتي؟” فحمل الطبيب الجثة إلى المنزل وقرر ما الذي يجب عليه فعله. أنزل الجثة من شُرفة منزله إلى فناء جارِه الخلفي. وكان جاره المضيفَ المسلمَ للمطابخ الملكية. وھا قد كانت جثة المتسول الصغير ملقية بين أكياس الدقيق و السكر.

في ذلك الحين، رجع المضيف المسلم إلى المنزل. “ما ھذا الصوت الذي في الفناء الخلفي؟” فأمسك بعصا، وذهب إلى الفناء الخلفي ورأى شيئاً مائلاً ھناك ظنَّه فأراً، فضرب الشخصَ بين كتفيه بقوة فتراجع المتسول الصغير على الأرض. “يا! ما ھذا الذي فعلته؟ لقد أتى ھذا المتسول إلى حديقتي الخلفية لكي يأُخذ القليل من الدقيق والسكر وھا أنا قد قتلته. يا رباه، ما الذي سيحدث لي بسبب ھذه الجريمة؟” ثم أخذ المضيف المسلم الجثمان، وخرج من مخرج المنزل الأمامي إلى شوارع البصرة، التي باتت فارغة في ذاك الوقت المتأخر من الليل. وعبر زقاق مظلم، توجَّه نحو القناة حيث سيلقي بالجثة، ولكنه عندما كان يمشي، سمع صوتاً آتياً من الجھة المقابلة، كان صوت غناء رجل مسيحي يبدو عليه السُّكر.

أسند الجثة على زاوية ورجع من حيث أتى. أتى ذلك الرجل السكران، المُراب المسيحي، يغني بأعلى صوته بعد ليلة شرب.

“ما الذي في الظِّل؟ إنَّه لص! لن تفلت من العقاب!” وأمسك بكَتِفَي المتسول الصغير وأخذ يضرب برأسِه على الحائط قائِلا: ” لص! لص!” وأتى الحراس يركضون في الزقاق وأمسكوا المسيحي قائلين: “أنت، أيها المُراب المسيحي، لقد قتلت ھذا الرجل في الشارع”. وفي فجر اليوم التالي، كانت المنطقة أمام البازار الكبير في قلب مدينة البصرة ممتلئة بالناس المحتشدين. كان السلطان وبجانبه الحاكم جالسَيْن أمام الجمع وكانت جثة المتسول الصغير ملقاة على الطاولة. ووقف أمامهم المُراب المسيحي. قال الحاكم: “أنت الذي تتعامل كثيراً مع السلطان. لقد قتلت رجلاً في الشارع من غير سبب مُقنع. ما ردك على هذه التهمة؟” وقف المسيحي قائلاً: “أنا مُذنب. لا بد من أن تعاقبوني”.

فأُخِذ المُراب المسيحي إلى السقالة. ووُضِع حبل المشنقة حول عُنُقه. وعندما كان يتجهز للموت، أتى صوت من المحتشدين قائلاً: “إنه بريء، أفرجوا عنه. يجب عليكم أن تعاقبوني أنا”. فإذا به المضيف المسلم. “كان ميِّتاً عندما ألقيته في الزقاق. أنا الذي قتلته. لقد ضربته بقوة لأنه كان يسرق الدقيق والسكر من فِنائي الخلفي”.  “أنت؟” قال الحاكم، “أنت الذي جلبت الطعام إلى المطابخ الملكية طوال ھذه السنين، قتلت متسولا فقيرا مسكينا؟ يجب على المضيف أن يُشنق حتى الموت”.

فأُخذ المضيف إلى السقالة، ولُف حبل المشنقة حول عنقه. وعند تجهيزه للموت، أتت صرخة أخرى من الحشد: “إنه بريء! أفرِجوا عنه! يجب عليكم أن تعاقبوني أنا!” فإذا بالطبيب اليهودي يقف ويقول: “أنا من قتل المتسول الصغير. لقد كان ميتا عندما رميت بجثته إلى فِناء جاري الخلفي. لقد ركلته وتدحرج أسفل الدرج خارج منزلي”. “أنت؟” قال الحاكم، “الذي عالجت و شفيت السلطان أكثر من مرة، لقد قتلت أحد مرضاك. يجب على الطبيب أن يُشنق حتى الموت”. فأخِذ الطبيب اليهودي إلى السقالة، وسُلَّ الحبل من عنق المسلم ولُف حول رقبته. وبينما تجهز للقاء خالقه، أتت صرخة ثالثة من الحشد: “إنه بريء! أفرجوا عنه! لا بد من أن تعاقبوني أنا”. وإذا بالخياط يقف قائلا: “أنا الذي قتلت المتسول الصغير. لقد أتى إلى منزلي ليسرد لي ولامرأتي بعض القصص، وخنقناه بشوكة سمكة. نحن سبب موته. نحن من وضع جثته على باب الطبيب الأمامي.” “أنت؟” قال الحاكم، “الخياط الذي كسى السلطان طوال ھذه السنين! يجب على الخياط أن يُشنق حتى الموت”. وحينها، أُخذ الخياط إلى السقالة، ووُضع الحبل حول عنقه، وتجهز للموت. سكت الحشد. سيكون ھناك إعدام أخيراً. وفجأةً، سُمِعت صرخة أخرى: “إنه بريء! أفرجوا عنه!” “كفى” قال الحاكم. “كفى” قال السلطان، “لا بد لأحد أن يدفع الثمن! من الذي يتحدث؟” ووقف بجانبهم رجل منحنٍ صغير القامة وكبير السن وذو لحيةٍ طويلة، وهو الحلاق. كان واقفاً بجانب جثة المتسول الصغير. “ھناك سر مُريب لهذه الوفاة، والسر المريب ھو أنه لا توجد وفاة. فالمتسول ما زال على قيد الحياة. أنظروا”.

ثم أخرج الملقط من حقيبته الجلدية، وأخذ مرهما وشرع في دهن عنق المتسول الصغير به. ثم أدخل الملقط وسحب شوكة السمكة. فقام المتسول الصغير يسعلُ ويغمغم. “يا رباه، شكراً لكم جميعاً لأنكم ھنا لإنقاذي. كيف سأرد لكم ھذا الجميل؟ لقد حاولتم إنقاذي بعدما اختنقت بسبب الشوكة. أولاً، ركلتموني فتدحرجت أسفل الدرج، ثم ضربتموني على ظهري بالعصا، ثم ضربتم رأسي بالحائط، والأن أخرجتم الشوكة من حنجرتي فتعافيت”. “عجيب” قال السلطان، “لم أستمع لقصة رائعة مثل قصة ھذا المتسول الصغير من قبل. لابد من أن تُكتب على صحيفة ويُحتفظ بها في المكتبة الملكية”.مع كل احترامي لك يا مولاي، فإني لا أوافقك الرأي” قال المتسول الصغير، “فلدي قصصٌ أغرب من تلك بكثير، يمكنني سردُها لك”.

وإذا بالمتسول الصغير يشرع في سرد قصةٍ من أعظم قصصه على مسامع الحشود في شوارع البصرة للتعبير عن إمتنانه.

السابق
الأميرة والكرة الذهبية
التالي
الحمى القرمزية